ابن عجيبة
553
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر جواب قومه ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 91 إلى 93 ] قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ( 91 ) قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 92 ) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 ) قلت : « سوف تعلمون » : ذكره هنا بغير فاء ، وفي الأنعام بالفاء « 1 » ؛ لأن الكلام في سورة الأنعام مع الأمة المحمدية ، فأتى بالفاء لمطلق السببية ، وهنا مع قوم شعيب عليه السّلام ، فحذفها ؛ لأنه أبلغ في التهويل . فكأن الجملة بيانية لجواب سائل قال : فما يكون بعد ذلك ؟ فقال : سوف تعلمون . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله : قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ ؛ ما نفهم كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ من أمر التوحيد ، وترك التبخيس ، وما ذكرت من الدليل عليها ؛ وذلك لانهماكهم في الهوى ، وقصور عقلهم ، وعدم تفكرهم . وقيل : قالوا ذلك استهانة بكلامه ، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم . ثم قالوا : وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ؛ لا قوة لك تمتنع بها منا إن أردنا بك سوءا ، أو : نراك ناحل البدن ، أو : ضرير البصر . وضعفه ابن عطية « 2 » . وَلَوْ لا رَهْطُكَ أي : قومك ، الذين هم باقون على ملتنا ، وكونهم في عزة عندنا ، لَرَجَمْناكَ : لقتلناك بالحجارة . أو بأصعب وجه ، وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ؛ فتمنعنا عزتك من رجمك . قال البيضاوي : وهذا ديدن السفيه المحجوج ، يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد . وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة ، وأن المانع لهم من إيذائه عزة قومه . ولذلك قال : يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ، وجعلتموه كالمنسى المنبوذ وراء الظهر ، بإشراككم به ، والإهانة لرسوله . وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ والرد والتكذيب . والظهرى : منسوب إلى الظهر ، والكسر من تغيير البناء . ه . قال ابن جزى : فإن قيل : إنما وقع الكلام فيه وفي رهطه ، بأنهم هم الأعزة دونه ، فكيف طابق جوابه كلامهم ؟ فالجواب : أن تهاونهم به ، وهو رسول اللّه ، تهاون باللّه . فلذلك قال : أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ . ه .
--> ( 1 ) في قوله تعالى : ( قال يا قوم اعملوا على مكانتكم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ) الآية : 135 . ( 2 ) قال ابن عطية : وهذا ضعيف ، لا تقوم عليه حجة بضعف بصره أو بدنه ، والظاهر من قولهم « ضعيفا » أنه ضعيف الانتصار والقدرة .